محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

24

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

المعروفة في النقد الأدبي ، فإن الشيء الذي يقابل يسوع المسيح في الإسلام هو القرآن بصفته الكتاب المقدّس الذي يحتوي على كلام اللّه الموحى به . وأما يسوع المسيح بصفته تجسيدا لكلمة اللّه ، فإنه يشبه المصحف الذي تجسّد فيه كلام اللّه . إن هذه المقارنات التشبيهية تعتبر صحيحة ومتينة بالنسبة للمؤرّخ المحترف ، وعالم الاجتماع ، وعالم الانتربولوجيا . ولكنها حتما مرفوضة من قبل المؤمنين الذين تربّوا على لغة جوهرانية مثالية ، وسيظلّون مخلصين لها أو متعلّقين بها ما داموا لم يكتشفوا بعد الاستخدام النقدي والتحليلي والتفكيكي للّغة . في الواقع ، إن هذا التعارض بين الجانبين يعود إلى ما دعاه مؤرّخو الفكر بالتغيّر المعرفي والقطيعة الابستمولوجية . وهذا ما يفسّر لنا سبب وجود معركة مستمرة بين اللاهوتيين حول الرمز والمجاز . بمعنى : هل ينبغي أن نقرأ خطاب الوحي بشكل حرفي أم بشكل مجازي ؟ كان المذهب الحنبلي قد فرض في الإسلام الرفض القاطع لكل تفسير مجازي لكلام اللّه ، غير عابئ بانعكاسات مثل هذا الموقف على قضية أخرى أكثر كونية وعمومية ، وأقصد بها مسألة التداخل بين اللغة والفكر . إن الموقف الأصولي المتشدد في الأديان يحيلنا إلى ذلك الخيار الفلسفي المتعلق بمنشإ المعنى من خلال التفاعل بين اللغة والفكر . فالفضاء الواسع والغني الذي فتح من قبل كلام اللّه الموحى من أجل مفكّر فيه متجدّد باستمرار ، كان قد أغلق واختزل إلى ما ندعوه ب المستحيل التفكير فيه » . وهذا ما حصل بالضبط مع المناقشة التي فتحها مفكّرو المعتزلة . سوف نرى أيضا كم هو مخطئ رأي أولئك المؤرّخين الذين يتحدثون فقط عن دور الممكن التفكير فيه في التطوّر التاريخي لتراث فكري ما . وعندما نعترض على موقفهم يقولون لنا بأنهم لا يمتلكون أي وثيقة مكتوبة عن المستحيل التفكير فيه لكي يدخلوها بصفتها عنصرا مشكّلا من عناصر الأنظمة والأفكار المدروسة . هذا وسوف نتحدث بشكل مفصّل أكثر عن هذه المسألة الأساسية في الفقرات التالية . لا يمكن تأسيس تاريخ مقارن للأنظمة اللاهوتية إذا ما رفضنا القيام بتحليل الاستراتيجيات المعرفية السائدة داخل كل تراث ديني على حدة . وهي استراتيجيات تهدف إلى ترقية الذات أو تمجيد الذات ، ثم اعتقاد كل طائفة دينية بأنها تمتلك وحدها النسخة الموثوقة ، والصحيحة ، والكاملة ، عن الحقيقة الموحى بها ( أو حقيقة الوحي ) . هذا ما ولد عام 1921 ) . وهو يسير بعكس النقد الأدبي المألوف : فبدلا من أن ينطلق من المؤلّف أو من العمل الأدبي ذاته ، فإنه ينطلق من القرّاء الذين تلقّوه أو استقبلوه أو قرءوه . وهكذا يدرس الجمهور القارئ والتأثيرات الجمالية التي يحدثها هذا العمل في الجمهور . من هنا جاء اسم : جماليات التلقي فمثلا كيف أثّر ديوان أزهار الشر لبودلير في جمهور عصره وفي جمهور الأجيال التالية ؟ ومن أهم كتب يوس المترجمة إلى الفرنسية كتاب : من أجل جماليات التلقي : une Pour . 1978 ، Gallimard ، Paris ، reception la de esthetique P